الشيخ محمد حسين الحائري
426
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
الواقعي وأما الثاني فلان لزوم العسر والجرح منفي في المقام بأن الغالب إمكان معرفة المجتهد بأحد الطرق القطعية وفرض تعذر تلك الطرق بالكلية بالنسبة إلى جميع مجتهدي العصر بعيد وعلى تقدير ثبوته لا نتحاشى عن التزام جواز العمل بالظن حينئذ مع تعذر الرجوع إلى فتوى الميت المعلوم اجتهاده وأما مع إمكانه فوجهان ولعل أظهرهما العدم وحيث يعول على الظن فلا بد من تقديم الأقوى ظنا فالأقوى مع تعدد المفتين ويتخير مع التساوي وذهب بعض أصحابنا إلى الاكتفاء بدعوى المدعي للاجتهاد مع عدالته والذي يصلح مستندا له أمور منها أن الاجتهاد من الملكات النفسانية الخفية التي صاحبها أدرى بها من غيره فينبغي التعويل في ثبوتها على دعواه كما يعول عليه في نظائره كاحتلام الصبي وحيض المرأة وطهرها وأمثال ذلك وجوابه بالمنع من كونه من الأمور الخفية أما بالنسبة إلى العارف فظاهر لتمكنه من الاستكشاف بالمعاشرة وأما بالنسبة إلى غيره فلتمكنه من الرجوع إلى العارفين ولو سلم فكلية الكبرى ممنوعة إذ ثبوت حكمها في الأمثلة المذكورة لا يفيد الاطراد ومنها آية الانذار فإنها تتناول الانذار بطريق الرواية والفتوى ولم يشترط في القبول العلم ببلوغهم درجة الاجتهاد إذ المراد بالتفقه إنما هو تعلم المسائل الشرعية لا تحصيل ملكة استنباط الفروع من الأصول كما هو معناه المصطلح عليه بين القوم لأنه متأخر قطعا نعم لو علم بعدم بلوغهم درجة الاجتهاد أو لم يظن به في وجه لم يقبل لقيام الاجماع عليه وجوابه أن التفقه عبارة عن تحصيل الفقه وهو إما بطريق التقليد أو الاجتهاد والأول خارج عن محل البحث إذ ليس الكلام في فتاوي المقلد والثاني يتوقف على ثبوته وجواز التعويل فيه على مجرد دعواه في ذلك مما لا يستفاد من الآية وأما تعلم الاخبار وضبطها فلا يعد تفقها إلا في حق من يجوز له العمل بها وهو المجتهد إذ ليس لغيره العمل بغير القطعي منها والقطعي نزر قليل ومنها آية أهل الذكر ووجه دلالتها أنه تعالى أمر بمسألة أهل الذكر ولم يشترط فيه بشئ خرج ما خرج منه بدليل وبقي في ما بقي صورة ما لو ادعى الاجتهاد ولم يقطع بفساد دعواه مع العدالة أو لم يظن به في وجه إذ لا دليل على خروجه وجوابه بعد تسليم شمول الآية لمحل البحث أنها إنما يفيد جواز الرجوع إلى أهل الذكر فلا بد من ثبوت كون المسؤول منهم في جواز الرجوع إليه والمفتي إنما يثبت كونه من أهل الذكر إذا ثبت كونه مجتهدا فإذا توقف ثبوت كونه مجتهدا على ثبوت كونه من أهل الذكر لزم الدور ومنها آية النبأ فإنها تدل بإطلاقها على قبول بناء العدل فيما لو أخبر عن اجتهاد نفسه وقد تقدم المنع من دلالة هذه الآية على قبول خبر العدل في مبحث خبر الواحد فلا نطيل بإعادته فصل إذا قلد المقلد من ثبت عنده جواز تقليده في جواز الرجوع إلى مفت جاز له الرجوع إليه وإن كان من مذهبه عدم جواز الرجوع إليه فمن قلد الأفضل في جواز الرجوع إلى المفضول مع التمكن من مراجعة الأفضل جاز له الرجوع إلى المفضول في بقية المسائل مع التمكن وإن كان من مذهبه عدم جواز الرجوع إلى المفضول حينئذ ومن قلد حيا في جواز تقليد الميت مع التمكن من تقليد الحي جاز له تقليد الميت في بقية المسائل وإن كان من مذهبه عدم جواز تقليد الميت حينئذ وذلك لمغايرة كل من مسألتي جواز تقليد المفضول والميت لبقية المسائل فيجوز الاخذ فيهما أو في إحداهما بقول الأفضل أو الحي وفي غيرهما بفتاوي المفضول أو الميت لا يقال إذا كان من مذهب المفضول أو الميت عدم جواز تقليده مع التمكن من مراجعة الأفضل أو الحي كان اللازم من ذلك عدم ثبوت فتاويه بحسب مؤدى نظره في حق من أراد تقليده لقصره لها في الحقيقة على غيره فإن التقليد عبارة عن أخذ المقلد بما يثبته المفتي في حقه ويبين له أنه حكمه وبالجملة فكما أنه إذا أدى نظر المجتهد إلى ثبوت حكم في حق من اتصف بعنوان مخصوص كالمسافر أو الحاضر أو المختار أو المضطر فلا يتعدى إلى غير المتصف به ولهذا ليس لغير المتصف به العمل به حال عدم اتصافه به بتقليده فكذلك إذا أدى نظره إلى ثبوت الاحكام التي يستفيدها بالاجتهاد في حق العاجز عن مراجعة الأفضل أو الحي فلا تتعدى إلى غير العاجز عنها وليس له الاخذ بها حال عدم اتصافه بالعنوان المذكور لأنا نقول إن أريد أن المقلد ليس له تقليد المفضول أو الميت المانعين من تقليدهما بعد تقليد الأفضل أو الحي في جواز مراجعتهما حينئذ فهذا فاسد قطعا إذ وظيفة المقلد الاخذ بقول من ثبت حجية قوله عنده والعمل بما يفتيه له كائنا ما كان ما لم يقطع بفساده وانتفاء القطع به في المقام واضح وإن أريد منع الأفضل أو الحي من تجويز المراجعة إليهما حينئذ فمع كونه خارجا عن محل الفرض إذ الكلام على تقدير التجويز مدفوع بأن تعيين المفضول أو الميت لحكم الواقعة ليس بالنظر إلى العاجز عن مراجعة الأفضل أو الحي بل بالنسبة إلى كل من جاز في حقه مراجعته بقول مطلق لان ذلك مقتضى نظره في معرفة الحكم الشرعي ومنعه من جواز مراجعة المتمكن حكم آخر والمقلد لم يتبعه في ذلك بل اتبع فيه من أجاز له المراجعة إليه وبهذا يتضح الفرق بين حكمه على عنوان كلي باجتهاد وتعيينه له باجتهاد آخر وبين حكمه على عنوان خاص باجتهاد واحد وهذا واضح جدا وكذا الحال فيما لو قلد مجتهدا في حياته في جملة من الاحكام فإنه يجوز له استصحاب تقليده بعد موته إذا قلد فيه حيا أجاز له ذلك على التعيين أو التخيير ولا فرق في ذلك بين أن يكون من مذهب الميت